الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

يا ليلَ الصبِّ متى غده؟

                   علي بن عبد الغني الحصري (424-488هـ)



تحليل النص من النت
صفحة 1   /   صفحة 2 

يا ليلَ الصبِّ متى غده؟ ...... أقيام الساعة موعده؟
رقد السمار فأرقه ...... أسف للبين يردده
فبكاه النجم ورق له ...... مما يرعاه ويرصده
كلف بغزال ذي هيف ...... خوف الواشين يشرده
نصبت عيناي له شركا ...... في النوم فعز تصيده
وكفى عجبا أني قنص ...... للسرب سباني أغيده
صنم للفتنة منتصب ...... أهواه ولا أتعبده
صاح والخمر جنى فمه ...... سكران اللحظ معربده
ينضو من مُقلته سيفا ...... وكأن نعاسا يغمده
فيريق دم العشاق به ...... والويل لمن يتقلده
كلا لا ذنب لمن قتلت ...... عيناه ولم تقتل يده
يا من جحدت عيناه دمي ...... وعلى خديه تورده
خداك قد اعترفا بدمي ...... فعلام جفونك تجحده؟
إني لأعيذك من قتلي ...... وأظنك لا تتعمده
بالله هب المشتاق كرى ...... فلعل خيالك يسعده
ما ضرك لو داويت ضنى ...... صبٍّ يهواك وتبعده
لم يُبق هواك له رمقا ...... فليبك عليه عُوَّده
وغداً يقضي أو بعد غد ...... هل من نظر يتزوده
يا أهل الشَرْقِ لنا شَرَقٌ ...... بالدمع يفيض مُوَرَّدُه
يهوى المشتاقُ لقاءكمُ ...... وصروف الدهر تُبَعِّدُه
ما أحلى الوصل وأعذبه ...... لولا الأيام تنكده
بالبين وبالهجران فيا ...... لفؤادي كيف تَجَلُّدُهُ

الاثنين، 10 أكتوبر 2011

من روائع الشعر العربي

إن حظي كدقيق بين شوك بعثروه        ثم قالوا لحفاة قوم يوم ريح اجمعوه
صعب الأمر عليهم قال قوم أتركوه       من شقاه الله يوماً كيف أنتم تسعدوه
===================================
ولما تلاقينا على سفح رابة        وجدت بنان العامرية أحمرا
فقلت خضبتِ الكف بعد فراقنا      فقالت معاذ الله ذلك ما جرى
ولكنني لما رايتك راحلاً            بكيت دما حتى بللت الثرى
فمسحت بأطراف البنان مدامعي    فصارت خضابا باليدين كما ترى 
(المعنى جميل لكن الوزن به أشياء)
==================================

الأحد، 25 سبتمبر 2011

ابن زريق البغدادي وقصيدته لا تَعذَلِيه


ابن زريق البغدادي
? - 420 هـ / ? - 1029 م

أبو الحسن علي (أبو عبد الله) بن زريق الكاتب البغدادي.
انتقل إلى الأندلس وقيل إنه توفي فيها.

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ  ‍
جاوَزتِ فِي لَومهِ حَداً أَضَرَّ بِهِ  ‍
فَاستَعمِلِي الرِفقَ فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً  ‍
قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ  ‍
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ  ‍
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ  ‍
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ  ‍
إِنَّ الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً  ‍
تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمَه  ‍
وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ  ‍
قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُو  ‍
لَكِنَّهُم كُلِفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى  ‍
وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقُ قَد قُسِمَت  ‍
والدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُهُ  ‍
اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً  ‍
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي  ‍
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً  ‍
لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ  ‍
إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ  ‍
رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أُحسِن سِياسَتَهُ  ‍
وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا  ‍
اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ  ‍
كَم قائِلٍ لِي ذُقتَ البَينَ قُلتُ لَهُ  ‍
أَلا أَقمتُ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ  ‍
إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفِقها  ‍
بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ  ‍
لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعٌ وَكَذا  ‍
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهر يَفجَعُنِي  ‍
حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ  ‍
قَد كُنتُ مِن رَيبِ دهري جازِعاً فَرِقاً  ‍
بِاللَهِ يا مَنزِلَ العَيشِ الَّذي دَرَست  ‍
هَل الزَمانُ مَعِيدٌ فِيكَ لَذَّتنا  ‍
فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَتِ مَنزلَهُ  ‍
مَن عِندَهُ لِيّ عَهدٌ لا يُضيّعُهُ  ‍
وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرُهُ وَإِذا  ‍
لَأَصبِرَنَّ لدهرٍ لا يُمَتِّعُنِي  ‍
عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبٌ فَرَجاً  ‍
عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتِنا  ‍
وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتُهُ  ‍

  قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ
  مِن حَيثُ قَدرتِ أَنَّ اللَومَ يَنفَعُهُ
  مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
  فَضُيَّقَتْ بِخُطُوبِ الدهر أَضلُعُهُ
  مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ
  رَأيٌ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ
  مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ
  وَلَو إِلى السَدّ أَضحى وَهُوَ يُزمَعُهُ
  للرزق كدّاً وكم ممن يودعُهُ
  رزقَاً وَلا دَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ
  لَم يَخلُقِ اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ
  مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنِعُهُ
  بَغِيٌ أَلّا إِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصرَعُهُ
  إِرثاً وَيَمنَعُهُ مِن حَيثُ يُطمِعُهُ
  بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
  صَفُو الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
  وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
  عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ
  بِالبينِ عنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ
  وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يُخلَعهُ
  شُكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ
  كَأساً أُجَرَّعُ مِنها ما أجَرَّعُهُ
  الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ
  لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ
  بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ
  بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلي لَستُ أَهجَعُهُ
  لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ
  بِهِ وَلا أَنّي بِي الأَيّامُ تَفجعُهُ
  عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ
  فَلَم أَوَقَّ الَّذي قَد كُنتُ أَجزَعُهُ
  آثارُهُ وَعَفَت مُذ بِنتِ أَربُعُهُ
  أَم اللَيالِي الَّتي أَمضَتهُ تُرجِعُهُ
  وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ
  كَما لَهُ عَهدُ صِدقٍ لا أُضَيِّعُهُ
  جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ
  بِهِ وَلا بِيَ فِي حالٍ يُمَتِّعُهُ
  فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ
  جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ
  فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ




الاثنين، 19 سبتمبر 2011

الحبيبُ المُدلّل للدكتور. مانع بن سعيد العتيبة



فرض الحبيبُ دلاله وتمنّعا ... وأبى بغير عذابنا أن يقنعا
ما حيلتي وأنا المكبّل بالهوى ... ناديته فأصر ألاّ يسمعا
وعجبتُ من قلبي يرقّ لظالمٍ  ... ويطيق رغم إبائه أن يخضعا
فأجاب قلبي لا تلمني فالهوى  ... قدَرٌ وليس بأمرنا أن يُرفعا
والظلم في شرع الحبيب عدالةٌ  ... مهما جفا كنتُ المحبَّ المولعا
ياربّ هذا الكون أنت خلقته  ... وكسوته حسناً فكنت المبدعا
وجعلته مَلِكاً لقلبي سيّداً ... لمّا على عرش الجمال تربّعا
سارت سفينة حُبنا في بحره  ... والقلبُ كان شراعه فتلوّعا
لعبت بها ريح الهوى فتمايلت ... ميناؤها المنشودُ بات مُضيّعا
والموج تحت شراعها متلاطمٌ  ... ما صان وُدَّ العاشقين وما رعا
يا موج رفقاً بالسفين وأهله  ... ما كان ظنّي أن تكون مروِّعا
يا موج ناداني الهوى فأطعته  ... فاهدأ وقل لسفينتي أن تسرعا
يا صاحبي خُذ للحبيب رسالتي  ... فعسى يرى بين السطور الأدمُعا
بلّغه أني في الغرام متيّمٌ  ... والقلب من حرّ الفِراق تَصدّعا
ما في النوى خيرٌ لنرضى بالنوى ... بل إنّ كلّ الخير أن نحيا معا

السبت، 17 سبتمبر 2011

من قصيدة الطلاسم لإيليا أبي ماضي



وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير؟
أم كلانا واقفٌ والدهر يجري؟
لست أدري!

قد سألت البحر يوماً: هل أنا يا بحر منكا؟
أصحيح ما رواه بعضهم عني وعنكا؟
أم ترى ما زعموا زوراً وبهتاناً وإفكا؟
ضحكت أمواجه مني وقالت:
لست أدري!


إنّني أشهد في نفسي صراعا وعراكا
وأرى ذاتي شيطانا وأحيانا ملاكا
هل أنا شخصان يأبى هذا مع ذاك اشتراكا
أم تراني واهما فيما أراه؟
لست أدري!

أين ضحكي وبكائي وأنا طفل صغير
أين جهلي ومراحي وأنا غضّ غرير
أين أحلامي وكانت كيفما سرت تسير
كلّها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟
لست أدري!

لي إيمان ولكن لا كأيماني ونسكي
إنّني أبكي ولكن لا كما قد كنت أبكي
وأنا أضحك أحيانا ولكن أيّ ضحك
ليت شعري ما الذي بدّل أمري؟
لست أدري!

كلّ يوم لي شأن ، كلّ حين لي شعور
هل أنا اليوم أنا منذ ليال وشهور
أم أنا عند غروب الشمس غيري في البكور
كلّما ساءلت نفسي جاوبتني:
لست أدري!

لذة عندي أن أسمع تغريد البلابل
وحفيف الورق الأخضر أو همس الجداول
وأرى الأنجم في الظلّماء تبدو كالمشاعل
أترى منها أم اللّذة منّي...
لست أدري!

قال ابن الفارض:

  1. أبرق بدا من جانب الغور لامع           أم ارتفعت عن وجه ليلى البراقعُ
  2. نعم أسفرتْ ليلا فصار بوجهها           نهارا به نور المحاسنِ ساطعُ
  3. ولمَّا تجلت للقلوب تزاحمت               على حُسنها للعاشقين مطامع
  4. لطلعتها تَعنو البدور ووجهُها              له تسجد الأقمار وهي طوالع
  5. تجمعت الأهواء فيها وحسنُها             بديعٌ لأنواع المحاسن جامع
  6. سكِرت بخمر الحب في حان قُربها      وفي خمرها للعاشقين منافع
  7. تواضعت ذلا وانخفاضا لعزها           فشرف قدري في هواها التواضع
  8. فإن صرت مخفوض الجناب فحبها      لقدر مقامي في المحبة رافع
  9. وإن قسمت لي أن أعيش متيما            فشوقي لها بين المحبين شائع
  10. تقول نساء الحي: أين دياره؟              فقلت: ديارُ العاشقين بلاقع
  11. فإن لم يكن لي في حماهن موضع        فلي في حمى ليلى بليلى مواضع
  12. هوى أم عمروٍ جدد العمر في الهوى     فها أنا فيه بعد أن شبت يافع
  13. وإني مُذْ شاهدتُ فيَّ جمالها               بلوعةِ أشواقِ المحبةِ والعُ
  14. وكلُّ مقامٍ في هواها سلكتُهُ                وما قطعتني فيه عنها القواطعُ
  15. بِوادي بوادي الحب أرعى جَمالها         ألا في سبيل الحب ما أنا صانعُ
  16. صبرتُ على أهواله صَبرَ شاكرٍ          وما أنا من شيءٍ سِوى البعدِ جازِعُ
  17. خليليَّ إني قد عَصيتُ عواذلي            مُطيعٌ لأمر العامريةِ سامع
  18. فقولا لها: إني مُقيم على الهوى            وإني لسلطانِ المحبةِ طائعُ
  19. وقولا لها: يا قُرةَ العينِ هل إلى           لِقاكِ سبيلٌ ليس فيه موانعُ؟
  20. ولي عندها ذنبٌ بِرؤيةِ غيرِها            فهل لي إلى ليلى المليحةِ شافعُ؟
  21. سَلا: هل سَلا قلبي هواها وهل له       سِواها إذا اشتدتْ عليه الوقائعُ؟
  22. فيا آل ليلى ضيفكم ونزيلكم              بحيِّكمُ يا أكرم العُربِ ضائعُ
  23. قِراهُ جَمالٌ لا جِمالٌ وإنه                 برؤيةِ ليلى مُنيةَ القلبِ قانعُ
  24. إذا ما بدت ليلى فكلي أعيُنٌ             وإن هي ناجتني فكُلِّي مسامِعُ
  25. ومسكُ حديثي في هواها لأهلِهِ          يَضُوعُ وفي سَمْعِ الخليينَ ضائعُ
  26. فسيروا على سيري فإني ضَعيفُكمْ        وراحلتي بين الرواحلِ ظالعُ
  27. ومِلْ بي إليها يا دليلُ فإنني               ذليلٌ لها في تيهِ عشقيَ واقعُ
  28. لعلي من ليلى أفوزُ بنظرةٍ                لها في فؤادِ المُسْتهامِ مَواقعُ
  29. لئنْ كنتِ ليلى إنَّ قلبي عامرٌ             بحبك مجنون بوصلك طامعُ
  30. تنقَّل إلى حقِّ اليقين تنزُّها                عن النقلِ والعقلِ الذي هو قاطِعُ
  31. فإحياءُ أهلِ الحب موتُ نُفُوسُهم         وقُوتُ قلوبِ العاشقينَ مصارعُ
  32. وكم بين حُذَّاقِ الجدالِ تنازِعٌ             وما بينَ عُشاقِ الجمال تنازُعُ...........
  33. لقد قلتُ في مبداَ "ألستُ بِربكم":         بلى قد شَهِدنا والولا متتابعُ
  34. فيا حبَّذا تلك الشهادةُ إنها                  تُجادِلُ عني سائلي وتُدافعُ
  35. وأنجو بها يومَ الورودِ فإنها              لقائلها حِرْزٌ مِن النارِ مانعُ
  36. هي العُروةُ الوثقى بها فتمسّكي          وحَسبي بها أني إلى الله راجعُ
  37. فيا ربِّ بالخِل الحبيبِ محمدٍ             نبيِّك وهو السيدُ المتواضعُ
  38. أنلنا مع الأحبابِ رؤيَتَك التي            إليها قلوبُ الأولياءِ تُسارعُ
  39. فبابُك مقصودٌ وفضلُك زائدُ             وجُودُكَ موجودٌ وعفوك واسِعُ

الخميس، 15 سبتمبر 2011

ليس الغريب ، لعلي زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما

لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّأمِ واليَمَنِ *إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتـِهِ * على الْمُقيمينَ في الأَوطــانِ والسَّكَنِ
سَفَري بَعيدٌ وَزادي لَنْ يُبَلِّغَنـي * وَقُوَّتي ضَعُفَتْ والمـوتُ يَطلُبُنـي
وَلي بَقايــا ذُنوبٍ لَسْتُ أَعْلَمُها * الله يَعْلَمُهــا في السِّرِ والعَلَنِ
مـَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني * وقَدْ تَمـادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي
تَمُرُّ سـاعـاتُ أَيّـَامي بِلا نَدَمٍ * ولا بُكاءٍ وَلاخَـوْفٍ ولا حـَزَنِ
أَنَـا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوابَ مُجْتَهِداً * عَلى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُنـي
يَـا زَلَّةً كُتِبَتْ في غَفْلَةٍ ذَهَبَتْ * يَـا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلبِ تُحْرِقُني
دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُـهـا * وَأَقْطَعُ الدَّهْرَ بِالتَّذْكِيـرِ وَالحَزَنِ
كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحــَاً * عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُنــي
وَقد أَتَوْا بِطَبيبٍ كَـيْ يُعالِجَنـي * وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هـذا اليـومَ يَنْفَعُني
واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُـها * مِن كُلِّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ
واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها * وصـَارَ رِيقي مَريراً حِينَ غَرْغَرَني
وَغَمَّضُوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفوا * بَعْدَ الإِياسِ وَجَدُّوا في شِرَا الكَفَنِ
وَقـامَ مَنْ كانَ حِبَّ لنّاسِ في عَجَلٍ * نَحْوَ المُغَسِّلِ يَأْتينـي يُغَسِّلُنــي
وَقــالَ يـا قَوْمِ نَبْغِي غاسِلاً حَذِقاً * حُراً أَرِيباً لَبِيبـاً عَارِفـاً فَطِنِ
فَجــاءَني رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَرَّدَني * مِنَ الثِّيــابِ وَأَعْرَاني وأَفْرَدَني
وَأَوْدَعوني عَلى الأَلْواحِ مُنْطَرِحـاً * وَصـَارَ فَوْقي خَرِيرُ الماءِ يَنْظِفُني
وَأَسْكَبَ الماءَ مِنْ فَوقي وَغَسَّلَني * غُسْلاً ثَلاثاً وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِ
وَأَلْبَسُوني ثِيابـاً لا كِمامَ لهـا * وَصارَ زَادي حَنُوطِي حيـنَ حَنَّطَني
وأَخْرَجوني مِنَ الدُّنيـا فَوا أَسَفاً * عَلى رَحِيـلٍ بِلا زادٍ يُبَلِّغُنـي
وَحَمَّلوني على الأْكتـافِ أَربَعَةٌ * مِنَ الرِّجـالِ وَخَلْفِي مَنْ يُشَيِّعُني
وَقَدَّموني إِلى المحرابِ وانصَرَفوا * خَلْفَ الإِمـَامِ فَصَلَّى ثـمّ وَدَّعَني
صَلَّوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لهـا * ولا سُجـودَ لَعَلَّ اللـهَ يَرْحَمُني
وَأَنْزَلوني إلـى قَبري على مَهَلٍ * وَقَدَّمُوا واحِداً مِنهـم يُلَحِّدُنـي
وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُرَني * وَأَسْكَبَ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني
فَقامَ مُحتَرِمــاً بِالعَزمِ مُشْتَمِلاً * وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِنْ فَوْقِي وفـارَقَني
وقَالَ هُلُّوا عليه التُّرْبَ واغْتَنِموا * حُسْنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هنــاك ولا * أَبٌ شَفـيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُنــي
فَرِيدٌ وَحِيدُ القبرِ، يــا أَسَفـاً * عَلى الفِراقِ بِلا عَمَلٍ يُزَوِّدُنـي
وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ * مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كان أَدهَشَني
مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ مـا أَقولُ لهم * قَدْ هــَالَني أَمْرُهُمْ جِداً فَأَفْزَعَني
وَأَقْعَدوني وَجَدُّوا في سُؤالِهـِمُ * مَـالِي سِوَاكَ إِلهـي مَنْ يُخَلِّصُنِي
فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يــا أَمَلي * فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهــَنِ
تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا * وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني
واستَبْدَلَتْ زَوجَتي بَعْلاً لهـا بَدَلي * وَحَكَّمَتْهُ فِي الأَمْوَالِ والسَّكَـنِ
وَصَيَّرَتْ وَلَدي عَبْداً لِيَخْدُمَهــا * وَصَارَ مَـالي لهم حـِلاً بِلا ثَمَنِ
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيــا وَزِينَتُها * وانْظُرْ إلى فِعْلِهــا في الأَهْلِ والوَطَنِ
وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيا بِأَجْمَعِها * هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الحَنْطِ والكَفَنِ
خُذِ القَنـَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها * لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَـا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَراً * يَا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الوَهَنِ
يـَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي * فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني
يَا نَفْسُ وَيْحَكِ تُوبي واعمَلِي حَسَناً * عَسى تُجازَيْنَ بَعْدَ الموتِ بِالحَسَنِ
ثمَّ الصلاةُ على الْمُختـارِ سَيِّدِنـا * مَا وَصَّـا البَرْقَ في شَّامٍ وفي يَمَنِ
والحمدُ لله مُمْسِينَـا وَمُصْبِحِنَا * بِالخَيْرِ والعَفْوْ والإِحْســانِ وَالمِنَنِ